كيف يمكن أن يساهم اليمن في تعزيز الأمن القومي الخليجي في فترات الصراع؟

بينما تحاول الصواريخ والمسيرات رسم خطوط النار فوق مياه الخليج العربي في الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، تبرز حقيقة جيوسياسية لا يمكن القفز عليها، وهي أن المشاريع الاقتصادية العملاقة في عواصم ومدن الخليج العربي، ليست بحاجة فقط إلى أنظمة دفاع جوي، بل هي بحاجة ماسة إلى عمق تنموي لمواجهة المخاطر المحتملة مستقبلاً.

اليوم ومع سعي قوى دولية وإقليمية وعلى رأسها إسرائيل لإطالة أمد الحرب والصراع بهدف ابتزاز دول الخليج ومحاولة كبح طموحاتها في أن تصبح قطباً عالمياً مستقلاً، يصبح الالتفات نحو اليمن ضرورة وجودية لا مجرد خيار دبلوماسي. ولطالما كان الأمن الغذائي هو أحد المعضلات لاقتصاد دول الخليج التي لازالت تستورد نسبة كبيرة من احتياجاتها من وراء البحار. وفي حال توسعت رقعة الحرب أو طال زمنها وتعطلت سلاسل الإمداد العالمية، ستجد المنطقة نفسها تحت رحمة الانتهازية السياسية للدول المصدرة.

هنا تبرز الأراضي اليمنية الشاسعة، من سهول تهامة إلى هضاب حضرموت ووديان إب، كأهم احتياطي استراتيجي للغذاء، ويصبح استصلاح هذه الأراضي بتمويل خليجي وإشراف فني مشترك ليس مجرد استثمار زراعي، بل هو بناء حصن غذائي يقع داخل النطاق الجغرافي والاجتماعي لدول المجلس. لأن اليمن قادر على أن يكون المصنع والمزرعة التي تشارك في الأمن الغذائي لدول الخليج في أوقات السلم، وتساهم في الحماية من المخاطر في أوقات الحرب والصراع.

لذلك يصبح قرار الاستثمار في بناء مصانع إنتاج غذائي خليجية في اليمن يمثل قراراً استراتيجياً. فإذا كانت المدن الصناعية في الخليج تقع في مرمى نيران الصراعات المباشرة، فإن الجغرافيا اليمنية بتضاريسها الصعبة وعمقها الجبلي توفر ملاذات آمنة للتصنيع. كما أن بناء هذه المصانع في اليمن لا يحقق الأمن الغذائي فحسب، بل يدمج ملايين اليمنيين في عجلة الإنتاج الخليجي، محولاً كتلة الشباب اليمني من وقود محتمل للحروب والميليشيات إلى قوة عاملة تحمي مصالح البيت الخليجي الواحد.

هذا بالإضافة إلى أنه لا يمكن إغفال الرغبة الإسرائيلية في إبقاء المنطقة تحت حالة الفوضى المدارة، فكلما استمر الصراع زاد احتياج دول الخليج للحماية الخارجية، وزاد نفوذ تل أبيب في التحكم بمسارات التجارة والأمن كونها تأسست كدولة حرب وليست دولة استقرار وسلام.

إن إطلاق رؤية تنموية يمنية برعاية دول الخليج هو أحد الردود العملية لكسر هذا الابتزاز، فعندما يتحول اليمن إلى جزء عضوي من الاقتصاد الخليجي، وتصبح موانئه في عدن والمكلا وباب المندب مراكز لوجستية خليجية الهوية، ستفقد إسرائيل وأي قوة أخرى قدرتها على التلاعب بأمن البحر الأحمر. ويصبح الاستثمار في اليمن هو استثمار في دعم ومساندة استقلال القرار الخليجي، لأن ما يربط اليمن بدول الخليج ليس فقط رابط الجغرافيا والجوار، بل هي وشائج القربى، والدين، والقبيلة، واللغة، والمصير المشترك. وسيحقق قرار إعادة تأهيل اليمن ليكون الشريك السابع في مجلس التعاون الخليجي، حتى لو كان ذلك اقتصادياً في البداية، إنهاء قروناً من العزلة التي استغلها الأعداء لزرع بؤر التوتر.

تحتاج دول الخليج في مسار دعمها لليمن اليوم إلى تجاوز مقاربة الإغاثة والبدء بمقاربة الشراكة الاستراتيجية. اليمن المستقر والمنتج هو الجدار العازل الذي سيساهم في منع تمدد الصراعات نحو دول الجزيرة العربية، وهو أحد المحركات التي ستضمن استدامة الرؤى الاقتصادية الطموحة.

لقد خاض الشعب اليمني سنوات طويلة من الحرب والضغوط، وهو ما خلق جيلاً يمتلك قدرة استثنائية على التكيف مع الأزمات وإدارة الموارد في أصعب الظروف. ففي عالم مضطرب تحتاج المصانع والاستثمارات الخليجية إلى عمالة لا تنهار عند أول صافرة إنذار. لقد امتلك الإنسان اليمني اليوم صلابة ومرونة ميدانية تجعله الأقدر على تشغيل عجلة الإنتاج في اليمن أو الخليج تحت ضغوط الحرب، وهو ما لا توفره العمالة الوافدة من بيئات مستقرة وبعيدة.

هذا الطرح يمثل الرؤية التي بدء نقاشها مؤخراً في أروقة السياسة الخليجية، فهو سينتقل باليمن من خانة العبء الأمني إلى خانة الشريك الاستراتيجي. في ظل الحرب المشتعلة حالياً أو في أي صراعات محتملة لا قدر الله، ولذلك ظلت جغرافيا الخليج رغم عبقريتها الاقتصادية جزيرة طموحة في محيط مليء بالاضطرابات، وتحتاج إلى رئة خلفية تتنفس منها في ظروف الحرب، ويضمن لها الاستمرار في العمل والبناء بعيداً عن كماشة الابتزاز الدولي.

لابد من إعادة التفكير بأن اليمن ليست مشكلة تحتاج إلى حل، بل هي جزء من الحل لمشكلة الأمن الغذائي واللوجستي والصناعي السيادي للخليج. إن البدء الآن بإطلاق استثمارات صناعية وزراعية كبرى في اليمن هي الخطوة التي ستجعل العالم يدرك أن الجزيرة العربية قد قررت أخيراً امتلاك مفاتيح مستقبلها بيدها، بعيداً عن ألاعيب القوى الكبرى وطموحات شركاء الضرورة.

هشام السامعي
باحث إقتصادي


شاركها.

اترك ردإلغاء الرد

Exit mobile version