تقرير – عزالدين الصوفي
لم تكن “سحر” تتوقع أن يتحوّل فقدان جنينها إلى محاكمةٍ مفتوحةٍ داخل بيتها، تزوجت في عمر 18 عامًا، لكنها لم تنجب إلا بعد ثلاثة أعوامٍ من العلاج المستمر، وتعرضها للإجهاض ثلاث مرات.
تقول “سحر” إنها تحمل في قلبها مزيجًا من القلق والخوف منذ الأيام الأولى من كل حمل، بعدما فقدت ثلاثة أجنة، ولم تنجب سوى طفلٍ واحد.
لم تدم فرحة “سحر” بعد أول حملٍ أكثر من ثلاثة أشهر، ليسقط جنينها في منتصف الشهر الثالث من الحمل، حيث نُقلت لمركزٍ طبي حين شعرت بآلامٍ حادةٍ ونزيفٍ بصورة مفاجئة، ففي المركز الذي يفتقر للتجهيزات الطبية اللازمة، اكتفت الطبيبة بإخبار “سحر” أن الجنين “قد سقط”.
تروي “سحر” قصتها: “طالبتني الطبيبة أكثر من مرة بالراحة والاستلقاء طويلًا، حاولتُ كثيرًا الالتزام بالتعليمات، لكن الوضع لا يسمح بذلك، فلا أحد سيتكفل بمهام البيت”.
الأم في قفص الاتهام
لا يقتصر فقدان الجنين على كونه تجربةً طبيةً قاسية تعاني خلالها الأم من آلام المخاض فحسب، بل يتحوّل إلى عبءٍ نفسي واجتماعي مضاعف تتحمّله المرأة وحدها.
حيث تجد الأم نفسها في دائرة لوم الآخرين وضغط الأسرة، الذين يرمون بالمسؤولية عليها؛ كونها لا تصلح لأن تكون زوجةً صالحة، بسبب فقدان جنينها الذي لا تملك من مسؤوليته شيء.
وفي الوقت الذي تعيش فيه الأم صدمة الفقد والألم الجسدي، تُحاصَر بعنفٍ لفظي ونفسي يُمارَس تحت مسميات “النصح” أو “الحرص على النسل”، ويُنظر إلى المرأة التي سقط جنينها كمُقصّرةٍ أو مسؤولةٍ عن ما حدث، دون اعتبارٍ للعوامل الصحية أو الظروف القهرية المحيطة بها.
تتداخل الأعراف الاجتماعية في اليمن مع الفقر والحرب وانهيار النظام الصحي؛ ما يجعل من الحمل رحلةً محفوفةً بالمخاطر، فالنساء اللواتي يتعرّضنَ لسقوط أجنّاتهنّ بصورةٍ متكررة غالبًا ما يواجهنّ أشكالًا من العنف؛ تبدأ بالضغط النفسي والتوبيخ، وتصل إلى التهديد بالزواج من أخرى أو الطلاق.
وهو ما أكدته “سحر” بقولها: “شعرتُ بضغطٍ نفسي كبير من زوجي وأهله، وأسمع كلامًا كثيرًا يسيء لي ويحزنني، وذات مرة اقترحت أم زوجي أن يتزوج بأخرى لتنجب له الأطفال، فأنا لا أصلح له كما قالت، تلك الليلة بكيتُ كثيرًا فلا أحد يُقدّر ألم نفسي وجسدي”.
وتتابع: “فقدتُ ثلاثة أجنةٍ واحدًا تلو الآخر، ومع كل فقدٍ أتأثر نفسيًا وجسديًا بشكلٍ لا يطاق، وكلما كنت أحمل من جديد أشعر بالخوف من الإسقاط، ولم أصدق نفسي أن الجنين الرابع تجاوز مرحلة الخطر وأنجبته بسلام، ومع ذلك ما زلتُ أخاف فقدان أجنةٍ أخرى في المستقبل”.
حرمان من الخدمات
يقول مدير مكتب الإعلام الصحي بتعز، تيسير السامعي: “المرأة محرومة من كثير من الخدمات الأساسية، لا سيما الرعاية الصحية، وهذا الوضع سيئ للغاية”.
ويضيف السامعي أن توقف الدعم، خاصةً من منظمة بلا قيود في المستشفى الجمهوري؛ سيؤثر تأثيرًا كبيرًا على حياة الناس، إذ كان يجرى المستشفى حوالي مائة حالة ولادة شهريًا، أغلبها ولادات قيصرية.
ويشير إلى أن الانسحاب الأخير للمنظمة اضطر المستشفى إلى فرض رسومٍ مرتفعةٍ على المواطنين؛ مما يزيد العبء على الأسر ويؤثر مباشرةً على واقع حياتهم.
وخلال العام 2024، سجلت محافظة تعز 1668 حالة إجهاض، مقابل 39 ألف حالة ولادة نتج عنها 13 حالة وفاة؛ ما يعكس حجم التحديات الصحية التي تواجه النساء في المحافظة.
الأمومة في وضع حرج
تُشير تقارير دولية إلى أن اليمن يسجّل واحدةً من أعلى نسب وفيات الأمهات في المنطقة العربية، في ظل تدهور خدمات الصحة الإنجابية، وغياب الرعاية الطبية ما قبل الولادة عن شريحةٍ واسعة من النساء.
ويكشف تقرير صندوق الأمم المتحدة للسكان في اليمن، أن البلاد تعاني واحدة من أعلى نسبة وفيات الأمهات أثناء الولادة بمعدل 118 حالة وفاة لكل مائة ألف حالة ولادة حية، في ظل محدودية خدمات الصحة الانجابية وافتقار كثيرٍ من النساء والفتيات للرعاية الخاصة بصحة الأم.
ويؤكد التقرير أن كل ستة من عشر ولادات تتم دون وجود قابلةٍ مؤهلة، فيما لا تحصل أربع نساء من كل عشرٍ على الرعاية الصحية المتخصصة والمؤهلة ما قبل الولادة؛ ما يفاقم معاناة النساء في اليمن في ظل الأوضاع المتردية التي تعيشها البلاد صحيًا ومعيشيًا.
مخاطر الحمل المبكر
في هذا السياق يقول الطبيب مختص في أمراض النساء والولادة، الدكتور خليل كامل: “هناك عوامل تؤثر على النساء الحوامل وتؤدي إلى مضاعفاتٍ صحيةً خطيرة، أبرزها سقوط الأجنة، لا سيما خلال الأشهر الأولى من الحمل”.
ويوضح أن من أهم هذه العوامل الجهل الصحي لدى الفتيات بالتعليمات والإرشادات التي يجب على الأم الحامل اتباعها طوال فترة الحمل.
ويضيف: “نسبة كبيرة من حالات سقوط الأجنة تعود إلى الحمل المبكر، خاصةً لدى الفتيات دون سن 18 عامًا، فالفتاة في هذا العمر غير مهيأةٍ فسيولوجيًا للحمل؛ ما يزيد من احتمالات سقوط الأجنة ومضاعفاتها الصحية”.
ويشير الدكتور كامل إلى أن الظروف الخاصة التي تمر بها اليمن تُلقي بظلالها السلبية على صحة النساء الحوامل، وفي مقدمتها سوء التغذية، لافتًا إلى أن المرأة الحامل تحتاج إلى رعايةٍ غذائيةٍ خاصة، لكن تدهور الأوضاع المعيشية أدى إلى تدني مستوى التغذية.
الأمر الذي ينعكس على صحة الأم والجنين؛ ويسبب نقصًا في وزن الجنين، والتهاباتٍ متكررة خلال فترة الحمل، وقد يصل إلى سقوط الأجنة أو ولادة أطفال يعانون من نقص الوزن، بحسب كامل.
ويتابع: “من الأسباب الشائعة أيضًا إصابة الأم بجرثومة “التكسوبلازما”، وهي إحدى الطفيليات التي تصيب الرحم، تؤدي إلى الإسقاط أو تشوهات جنينية”.
موضحًا أن المشكلة تتفاقم في المجتمع اليمني بسبب عدم قدرة كثير من النساء على تحمل تكاليف الفحوصات الطبية والعلاج اللازم.
وبحسب الطبيب كامل فإن فقر الدم “الأنيميا” من أبرز المشكلات الصحية التي تعاني منها النساء الحوامل في اليمن؛ نتيجة نقص الغذاء والعناصر الأساسية. محذرًا من أن “الأنيميا” قد تؤدي إلى مضاعفات خطيرة للأم والجنين، تصل إلى وفاة الأم في حال عدم علاجها مبكرًا.
أبعاد نفسية واجتماعية
يوضح أستاذ علم الاجتماع بجامعة تعز، الدكتور جمهور الحُميدي، أن تعرض الفتيات بعد سقوط الحمل للعنف النفسي والاجتماعي يرتبط بعوامل ثقافية واجتماعية متعددة، أبرزها وصم المجتمع للفتاة، وغياب الوعي الصحي والنفسي.
إضافةً إلى ضعف الإرشاد الأسري والمناهج التربوية غير المتوازنة التي قد تعزز الصور النمطية السلبية تجاه النساء والفتيات، وفقًا للدكتور الحُميدي.
ويضيف: “تتجلى مظاهر هذا العنف في العزل الاجتماعي، التوبيخ المستمر، والإقصاء داخل الأسرة والمجتمع، كما أن الضغوط النفسية المصاحبة للشعور بالذنب والخوف من النظرة المجتمعية تزيد حدة المعاناة، ويساهم ضعف برامج الدعم النفسي والاجتماعي في استمرارها”.
وأشار إلى أن المعالجة تتطلب نشر الوعي المجتمعي حول طبيعة سقوط الحمل كظرفٍ صحي وإنساني، وتفعيل دور الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام في تقديم الدعم النفسي والاجتماعي.
بدورها تؤكد، المحامية أمل عبدالله، أن العنف النفسي والأسري الذي تتعرض له النساء بعد سقوط الحمل يُعد انتهاكًا واضحًا لحقوقهن، ولا يستند إلى أي أساس قانوني أو شرعي.
وتقول: “سقوط الحمل لأسبابٍ صحيةً قهرية، كالفقر وسوء التغذية أو غياب الرعاية الطبية، لا يُحمّل المرأة أي مسؤولية قانونية، وأي ممارسةٍ للعنف النفسي أو الاجتماعي بحقها تُعد سلوكًا مخالفًا للقانون وانتهاكًا لكرامتها الإنسانية”.
وتضيف: تحميل المرأة ذنب فقدان الحمل يعكس جهلًا بالأسباب الطبية، ويكرّس التمييز القائم على النوع الاجتماعي، وهو ما يتعارض مع مبادئ العدالة والحقوق التي يكفلها القانون اليمني والمواثيق الدولية.
وتشير المحامية أمل عبدالله إلى أن الصمت الأسري والمجتمعي يشجع على استمرار هذه الانتهاكات. معتبرةً أن حماية النساء من العنف بعد سقوط الحمل يتطلب تفعيل القوانين القائمة، وتوفير الدعم القانوني والنفسي، ونشر الوعي بحقوق المرأة، بدلًا من محاكمتها اجتماعيًا”.
تم إنتاج هذه المادة ضمن مشروع تعزيز دور وسائل الإعلام في دعم قضايا الصحة الإنجابية والعنف القائم على النوع الاجتماعي الذي ينفذه مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي

